عباس محمود العقاد

88

أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )

وكذلك يقول من يقول : إنّ الأريحيّة في نفوس أنصار الحسين كانت أريحيّة أفراد معدودين ثبتوا معه ولم يخذلوه إلى يومه الأخير . وينسى هؤلاء أنّ الارتفاع ليقاس بالقمّة الواحدة كما يقاس بالقمم الكثيرة ، وأنّ الغور ليسبر في مكان واحد كما يسبر في كلّ مكان ، وإنّما تكون الندرة هنا أدلّ على جلالة المرتقى الذي تطيقه النفس الواحدة أو الأنفس المعدودات ، ولا تطيقه نفوس الأكثرين . فمدار الخلاف إذا في هذه الجولة التأريخيّة إنّما هو الفارق الخالد بين مزاجين بارزين كائنا ما كان تفسير المفسّرين للعقائد الروحيّة والمطامع السياسيّة ، ولم يتلاق هذان المزاجان على تناحر وتناجز كما تلاقيا عامّة في النزاع بين الطالبيين والأمويين ، وخاصّة في النزاع بين الحسين ويزيد . فحياة الحسين رضي اللّه عنه صفحة ، لا صفحة تماثلها في توضيح الفارق بين خصائص هذين المزاجين وبيان ما لكلّ منهما من عدّة للنجاح في كفاح الحياة ، سواء نظرنا إلى الأمد البعيد أو قصرنا النظر على الأمد القريب .